يعرض الكاتب يوسف منير في مستهل تحليله رؤية نقدية لتصريحات مايك هاكابي، المرشح لمنصب السفير الأميركي لدى إسرائيل في إدارة دونالد ترامب الثانية، ويشير إلى أن اختيار هاكابي عكس توجهاً أيديولوجياً واضحاً في العلاقة الأميركية الإسرائيلية.
يمثّل هاكابي تياراً إنجيلياً جمهورياً ينكر وجود الشعب الفلسطيني ويروّج لاستخدام مصطلح “يهودا والسامرة” بدلاً من الضفة الغربية المحتلة، ويستند إلى قراءة دينية تمنح إسرائيل حقاً إلهياً في الأرض.
ينشر موقع نيو ريبابليك هذا التحليل في سياق تصاعد التوترات الإقليمية، ويضع مقابلة هاكابي الأخيرة مع تاكر كارلسون في إطار أوسع يشمل حشدًا عسكرياً أميركياً في المنطقة يقرّب واشنطن من مواجهة مع إيران، إضافة إلى انقسام متنامٍ داخل اليمين الأميركي حول دعم إسرائيل. تكشف المقابلة حجم القلق الذي أثارته تصريحات هاكابي لدى عواصم الشرق الأوسط، إذ تجاوزت توقعاتها المتدنية أصلاً تجاه إدارة ترامب.
انقسام اليمين الأميركي حول إسرائيل
يتمتع تاكر كارلسون، المذيع السابق في فوكس نيوز، بقاعدة جماهيرية واسعة ونفوذ ملحوظ داخل التيار المؤيد لترامب. يحتل ملف إسرائيل موقعاً خلافياً داخل هذا التيار، حيث ينتقد جزء منه حجم الموارد الأميركية المسخّرة لخدمة المصالح الإسرائيلية، ويرفض التضييق على الأصوات المنتقدة لتلك السياسة عبر اتهامات معاداة السامية. يعزز هذا الجدل شعوراً لدى بعض أنصار ترامب بأن المؤسسة السياسية تفرض قيوداً صارمة على النقاش.
يطرح كارلسون مقاربة دينية مغايرة لتلك التي يعتمدها الإنجيليون الداعمون لإسرائيل. يرى هؤلاء أن الرب منح اليهود الصهاينة حقاً حصرياً في أرض فلسطين، بينما يعتقد مسيحيون تقليديون أن وعود العهد القديم تُفهم رمزياً وتنطبق على الكنيسة لا على دولة حديثة. يعتبر كثير من رجال الدين في القدس أن الصهيونية المسيحية تمثل تسييساً للعقيدة وانحرافاً عن جوهرها الروحي.
يعكس الحوار بين كارلسون وهاكابي هذا الصدع داخل اليمين. حاول كارلسون إلزام هاكابي بتحديد الأساس الذي يمنح إسرائيل “حقها” في الوجود: أهو نص ديني أم ضرورة أخلاقية أم شرعية قانونية دولية؟ وبينما تنقّل هاكابي بين هذه المبررات، أطلق تصريحاً أثار عاصفة واسعة.
بين النيل والفرات: تصريح يفجّر العاصفة
سأل كارلسون ضيفه عمّا إذا كانت الأرض التي يحق لإسرائيل امتلاكها هي تلك الموعودة لإبراهيم في الكتاب المقدس، أي الممتدة بين النيل والفرات. تشمل هذه الرقعة اليوم أجزاء من مصر والعراق والأردن وسوريا ولبنان والسعودية والكويت وفلسطين. أجاب هاكابي بأن “أخذها كلها سيكون أمراً مقبولاً”.
تكتسب هذه العبارة خطورتها لأن هاكابي لا يشغل موقع واعظ هامشي، بل يمثل الولايات المتحدة في إسرائيل ويتحدث باسم الرئيس. جاء تصريحه في توقيت حساس؛ إذ جمع ترامب قبل أسبوع قادة دول عدة وأعلن ما سماه “مجلس السلام” للإشراف على إعادة إعمار غزة، بينما عبّر حلفاء واشنطن في المنطقة عن قلق بالغ إزاء تصاعد التهديدات تجاه إيران واقتراب شبح الحرب.
أدانت عواصم إقليمية عدة تصريحات هاكابي بسرعة، وأصدرت بيانات مشتركة تندد بها. تزامن ذلك مع توسع غير مسبوق في النفوذ العسكري الإسرائيلي خلال العامين الأخيرين، حيث قصفت إسرائيل دولاً عدة في المنطقة، ووسعت نطاق سيطرتها في سوريا ولبنان، ونفذت هجمات في إيران واليمن، مع تفاخرها بعمق اختراقها الأمني لتلك الساحات.
تداعيات إقليمية وداخلية محتملة
ترسل تصريحات هاكابي، في نظر منتقديه، إشارة خطيرة توحي بدعم أميركي لتوسع إسرائيلي واسع النطاق، خصوصاً في لحظة تبدو فيها إسرائيل أكثر استعداداً وقدرة على اتخاذ خطوات تصعيدية. لم يصدر البيت الأبيض موقفاً حاسماً ينأى بنفسه عن تلك الرؤية، بل سعى إلى احتواء الجدل وتجاوزه. يفسر البعض هذا الصمت إما كتوافق ضمني مع الطرح المطروح، أو كدليل على ارتباك عميق في السياسة الخارجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط.
داخلياً، يضع كارلسون نفسه في مواجهة واضحة مع التيار الداعم بلا تحفظ لإسرائيل، ويبعث برسالة تحذير قبيل أي قرار محتمل بمهاجمة إيران. تشير استطلاعات الرأي إلى رفض غالبية الأميركيين توجيه ضربة عسكرية لإيران، ما يجعل موقف كارلسون أقرب إلى المزاج الشعبي العام داخل قاعدته.
يحذّر التحليل من أن اندلاع حرب مفتوحة مع إيران سيعكس انتصار فصيل داخل معسكر ترامب يدفع نحو المواجهة بدعم من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. في المقابل، يراهن كارلسون على معارضة هذا المسار عبر انتقاد الصهيونية المسيحية والدعوات التي يعتبرها متهورة لنشر العنف في المنطقة. هكذا يكشف الجدل حول مقابلة تلفزيونية صراعاً أعمق حول هوية السياسة الأميركية في الشرق الأوسط وحدود التحالف مع إسرائيل، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
https://newrepublic.com/article/206988/mike-huckabee-tucker-carlson-interview-israel-invade-levant

